ابن أبي العز الحنفي

176

شرح العقيدة الطحاوية

يقول : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - : قال : هذا كلام اللّه ، ان كان عنده خبر ذلك ، والا قال : لا أدري كلام من هذا ؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذب . ولهذا من سمع من غيره نظما أو نثرا ، يقول له : هذا كلام من ؟ هذا كلامك أو كلام غيرك ؟ وبالجملة ، فأهل السنة كلهم ، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف ، متفقون على أن كلام اللّه غير مخلوق . ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام اللّه هل هو معنى واحد قائم بالذات ، أو أنه حروف وأصوات تكلم اللّه بها بعد أن لم يكن متكلما ، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وأن نوع الكلام قديم ، وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق ، ومرادهم أنه غير مختلق « 1441 » مفترى مكذوب ، بل هو حق وصدق ، ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق المسلمين . والنزاع بين أهل القبلة انما هو في كونه مخلوقا خلقه اللّه ، أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته ؟ وأهل السنة انما سئلوا عن هذا ، والا فكونه مكذوبا مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه . ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع - معترفون « 145 » بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة ، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم باحسان ، وانما يزعمون أن عقلهم دلهم عليه ، وانما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع . ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة ، لم يكن بينهم نزاع ، ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه ، فرّق بها بينهم . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ البقرة : 176 . والذي يدل عليه كلام الطحاوي رحمة اللّه : أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء كيف شاء ، وأن نوع كلامه قديم . وكذلك ظاهر كلام الامام أبي حنيفة رضي اللّه عنه في الفقه الأكبر ، فإنه قال : والقرآن في المصاحف مكتوب ، وفي القلوب محفوظ ، وعلى الألسن مقروء ، وعلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم منزّل ، ولفظنا بالقرآن مخلوق ، والقرآن غير مخلوق ، وما ذكر اللّه في

--> ( 1441 ) في الأصل مختلف . ( 145 ) في الأصل : مفترون .